أحمد بن محمد المقري التلمساني

87

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

كرسيه ، واستقلّ بملكه ، ولحق به كاتبه وكاتب أبيه محمد بن الخطيب ، فاستخلصه ، وعقد له على وزارته ، وفوّض إليه في القيام بملكه ، فاستولى عليه ، وملك هواه . وكانت عينه ممتدّة إلى المغرب وسكناه ، إلى أن نزلت به آفة في رياسته ، فكان لذلك يقدم السوابق والوسائل عند ملوكه . وكان لأبناء السلطان أبي الحسن كلّهم غيرة من ولد عمّهم السلطان أبي علي ، ويخشونهم على أمرهم . ولمّا لحق الأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن بالأندلس اصطفاه ابن الخطيب ، واستخلصه « 1 » لنجواه ، ورفع في الدولة رتبته ، وأعلى منزلته ، وحمل السلطان على أن عقد له على الغزاة المجاهدين من زناتة مكان بني عمّه من الأعياص ، فكانت له آثار في الاضطلاع بها ، ولما استبدّ السلطان عبد العزيز بأمره واستقلّ بملكه ، وكان ابن الخطيب ساعيا في مرضاته عند سلطانه ، فدسّ إليه باعتقال عبد الرحمن بن أبي يفلوسن ووزيره مسعود بن ماساي . وأدار ابن الخطيب في ذلك مكره ، وحمل السلطان عليهما ، إلى أن سطا بهما [ ابن الأحمر ] ، واعتقلهما سائر أيام السلطان عبد العزيز . وتغيّر الجوّ بين ابن الأحمر ووزيره ابن الخطيب وأظلم ، وتنكّر له ، فنزع عنه إلى عبد العزيز سلطان المغرب سنة ثنتين وسبعين وسبعمائة لما قدم من الوسائل ، ومهّد من السوابق ، فقبله السلطان ، وأحلّه من مجلسه محلّ الاصطفاء والقرب . وخاطب ابن الأحمر في أهله وولده ، فبعثهم إليه ، واستقرّ في جملة السلطان ، ثم تأكّدت العداوة بينه وبين ابن الأحمر ، فرغّب السلطان عبد العزيز في ملك الأندلس ، وحمله عليه ، وتواعدوا لذلك عند رجوعه من تلمسان إلى المغرب . ونمي ذلك « 2 » إلى ابن الأحمر ، فبعث إلى السلطان عبد العزيز بهدية لم يسمع بمثلها ، انتقى فيها من متاع الأندلس وما عونها وبغالها الفارهة ومعلوجي السبي وجواريه ، وأوفد بها رسله يطلب إسلام وزيره ابن الخطيب إليه ، فأبى السلطان من ذلك ونكره . ولمّا هلك السلطان واستبدّ الوزير ابن غازي بالأمر تحيّز إليه ابن الخطيب وداخله ، وخاطبه ابن الأحمر بمثل ما خاطب به السلطان عبد العزيز ، فلجّ واستنكف عن ذلك ، وأقبح الردّ . وانصرف رسوله إليه وقد رهب سطوته ، فأطلق ابن الأحمر لحينه عبد الرحمن بن أبي يفلوسن وأركبه الأسطول ، وقذف به إلى ساحل بطوية ومعه الوزير مسعود بن ماساي ، ونهض - يعني ابن الأحمر - إلى جبل الفتح ، فنازله « 3 » بعساكره ، ونزل عبد الرحمن ببطوية .

--> ( 1 ) استخلصه : جعله من خلصائه ، وفي القرآن الكريم ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي . ( 2 ) نمي ذلك إليه - بالبناء ، للمجهول - بلغه ، وتقول : « نمى فلان الحديث ينميه - مثل رمى يرمي » ، أي نقله . ( 3 ) نازله : قاتله .